تفقد أية أطروحة سياسية وذات بعد أخلاقي صدقيتها عندما تمارس الانتقاء وتحذف ما لا يتناغم معها ولا يلبي المصالح التي تعبر عنها.
وغالباً ما يكون المثال في هذا السياق الأطروحة الأمريكية في مرحلتين، أولاهما بعد الحرب العالمية الثانية عندما رفعت شعار تصفية الاستعمار، وكانت بالفعل قد لعبت دوراً في تحرير بعض الدول في أوروبا من الهيمنة النازية، لكن سرعان ما حلت مكان الإمبراطور البريطانية العجوز، وتحت عنوان مثير وقابل للعديد من التأويلات هو ملء الفراغ في الشرق الأوسط والذي طرحه ايزنهاور بدأت أمريكا تتنكر لوعودها. والمرحلة الثانية هي ما حدث من حروب أدت إلى قتل وتشريد الملايين في نهايات القرن الماضي ومطلع هذا القرن.
وما سمي ازدواجية المعيار هو التعبير الذي تداولته الميديا عن تناقض الأطروحة الأمريكية الساعية إلى دمقرطة العالم ومقاومة الاستبداد.
ومن المعروف أن هناك «شاهات» و«بينوشيهات» في آسيا وأمريكا اللاتينية غذتهم أمريكا بالسلاح وانحازت إليهم ضد شعوبهم، لكنها قلبت لهم ظهر المجن عندما أفقدهم التاريخ صلاحيتهم، لهذا ذهبت أمريكا بالبراغماتية إلى أقصاها وتفوقت على «برغمانوس» ذاته، فهي لم تكن ولن تكون ذات يوم حليفاً دائماً لطرف أو عدواً أبدياً لطرف، وحين رفع الرئيس ترامب شعار «أمريكا أولاً» أضاف إليه في العديد من المناسبات ما معناه أن أمريكا أولاً وأخيراً، مادام المقياس الوحيد هو تحقيق المصالح، وكان مستشار الأمن القومي الأسبق بريجينسكي قد أشار في كتابين على الأقل أحدهما «الفرص الضائعة» إلى أن القوة وحدها إذا كانت منزوعة العدالة، لا تؤهل أحداً لقيادة العالم برضاه، وقدم لنا التاريخ أمثلة عبر مختلف العصور عن إمبوطوريات سادت ثم بادت رغم ما امتلكته من فائض القوة!
خيري منصور